الشيخ علي المشكيني

370

رسائل قرآنى

تخطئة العقول ؛ كما أنّ كلّ ما حسّنه الطبع إذا نهى عنه الشارع يعلم أنّه ليس بمصلحة للشخص ؛ فيكون من موارد تعارض الحسن العقلي مع القبح الطبعي ، أو عكسه . ولا يخفى تقدّم حكم العقل على الطبع عند العقلاء أيضاً ، وإن لم يوافقوا له عملًا في بعض الأحيان . فالمحصّل ممّا ذكر أنّ الدين عبارة [ عن ] عدّة أوامر ونواهي ، وترخيصات وتحريمات . ومتعلق الأوّلين هو ما يستحسنه العقل ويستنكره ، سواء أكان من أقسام العقائد ، أم من الأخلاقيّات ، أم من الأعمال الجوارحيّة . ومتعلّق الأخيرين هو ما تستلذّ به الحواسّ الظاهرة ، أو تنفّر منه . هذا بنحو كلّي القوانين والأحكام ، وأمّا مورد تصادم بعض هذه العناوين مع بعض الآخر ، فله أيضاً حكم معلوم ينشأ من ترجيح أحد المقتضيين على الآخر . وهذا الذي ذكرناه في بيان حقيقة الدين الإلهي حقيقة راهنة لو تأمّلها الإنسان لأذعن كلّ الإذعان بحقّيتها وصدقها ، فإنّ أمتن القوانين وأسدّ الأحكام وأحكم البرامج هو الذي يوافق حكم العقل السليم ، والفطرة الإنسانية السالمة . وفي الآية أيضاً إشارة إلى جواب السؤال الرابع ، وهو أنّه ما هو أثر دعوته في الاجتماعات البشريّة القريبة منه مكاناً وزماناً ، والبعيدة عنه كذلك ؟ وهو أن يضع عن امّته وملّته وكلّ من آمن به وتبعه الإصر والأغلال . والإصر : الثقل . وعن مفردات الراغب : أنّه الحبس والمنع . « 1 » والغلّ معروفٌ . والمراد بهما العقائد والأخلاق الخرافيّة الباطلة ، والآداب والرسوم الفاسدة ؛ فكأنّ العقائد المنحرفة الشركيّة ورذائل الخلق وخبائث الأوصاف النفسيّة آصرة لهم ، وحابسة مانعة لنفوسهم عن الإدراكات الصحيحة ، والاهتداء إلى طرق الإنسانية ، والوصول إلى المراتب الكاملة اللائقة بحال هذا الموجود القابل المستعد للتعالي . وكذلك الآداب والرسوم كلّ واحد منها غلّ موضوع على أيديهم وأرجلهم ؛ كما قال تعالى : إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلَى اْلأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أيْديهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 2 » . فالأغلال هي العقائد والأخلاق الفاسدة الرذيلة ، والسدّ هو العادات والرسوم .

--> ( 1 ) . مفردات ألفاظ القرآن ، ص 78 ( أصر ) . ( 2 ) . يس ( 36 ) : 8 - 9 .